السيد محمد تقي المدرسي

30

من هدى القرآن

بينات من الآيات : كيف نعرف طبيعة الديانات ؟ [ 31 ] بالنظر إلى جانب واحد من مذهب أو دين نستطيع أن نعرف طبيعته معرفة تامة ، فإذا نظرت إلى مسجد المسلمين فإنك تستطيع أن تعرف الصيغة التكاملية للإسلام ، فالمسجد محل عبادة يعرج منه المؤمنون إلى الله ، ومقام حرب بين الهوى والعقل ، وبين الباطل والحق ، ولكنه في نفس الوقت مكان للتعارف والتعاون والاجتماع ، وكلما يقرب الأفراد إلى بعضهم يستحب أو يجب وجوده في المسجد كالطهارة والنظافة والزينة ، حيث أمر الله بأن يتخذ المؤمنون أفضل زينتهم عند المساجد حتى يكون مظهر المجتمع جذاباً ، ويقرب مظاهر الأفراد بعضهم إلى بعض . * يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكما أنزل الله لبني آدم لباساً وريشا ، وكما أنعم على أبوينا باللباس كذلك أمر بالاستفادة من نعمة الزينة ، ولكن ليس في التفاخر ولا في مجالس اللهو ، وإنما للتعارف وللتعاون في المحافل الدينية ، وكما ينبغي الانتفاع باللباس كذلك ينبغي أن يستفيد المؤمن من نعم الأكل والشرب ولكن في حدود العدالة التي تحافظ على تعادل المجتمع ، كما تحافظ على سلامة الجسد الذي يفسده الإسراف في الطعام . وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إن حرمة الإسراف ، وضرورة تنظيم الأكل والشرب مظهر آخر من مظاهر التكاملية في الإسلام . إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ الإسراف قد يكون بتجاوز حدود الشريعة ، فالذي يأكل لحم الخنزير ، ويشرب الخمرة فهو مسرف لا يحبه الله ، إذ ما دام الحلال واسعا . فلا حاجة إلى الحرام ، وقد تتجاوز حدود العرف العام فتبني بيتا بمليون دينار في الوقت الذي يكفيك نصفه ، وقد تشتري سيارة بعشرة آلاف دينار بينما تكفيك سيارة بألفين ، وحدود السرف ترتبط بالظروف الاجتماعية ، بل وحتى الظروف الشخصية ، فالفقير الذي لا يملك سوى بضعة دنانير فيصرفها في شراء العطور ، ويهمل عائلته جائعين يعتبر مسرفا ، بينما لو فعل الغني مثل ذلك لم يكن كذلك ، والدول الفقيرة التي تقلد الدول الكبرى في بناء المطارات الضخمة ، أو المباني الرياضية الكبيرة ، أو بناء سفارات فخمة تعتبر مسرفة ، بينما قد لا يعتبر مثل ذلك إسرافا للدول الغنية . هل حرم الله الزينة ؟ [ 32 ] لم يحرم الإسلام الزينة على المؤمنين ، بل اعتبرها خالصة لهم يوم القيامة ، فكيف يحرمها الله على المؤمنين في الدنيا ؟ .